الخميس، يوليو 05، 2012

الفتوى الأخيرة



فى عام 1997 أصدر السيد عنتر زوابرى أخر امير  للجماعة الإسلامية المسلحة فى الجزائر فتوى أخيرة و حاسمة ، فبعد سنوات القتال و القتل توصل الى نتيجة مفادها أن المجتمع الجزائرى بأكمله هو مجتمع جاهلى و أن الجزائريين جميعا" هم مجموعة من الكفرة المرتدين ( بما فيهم المجموعات الإسلامية المتطرفة الأخرى التى أصبح يناصبها العداء) و لا يستثنى من هذا إلا مجموعة صغيرة فقط من أتباعه و التى بقيت معه حتى تلك النهاية المريرة فى صراعه العبثى ضد بنى وطنه و أنه و مجموعته هم فقط المسلمين الحقيقيين و أن باقى الجزائريين هم مجرد أعداء للدين يجب قتلهم و أستباحة أموالهم و نسائهم..

لأول وهلة يبدو هذا شديد الغرابة و المبالغة و لكن حين تفكر فى الأمر تجد أنها النهاية الوحيدة المنطقية للأمور ، لأن التطرف ببساطة لا حدود له و بمجرد زراعته لا يمكن السيطرة عليه ، و مهما اتخذت من مواقف متشددة فستجد من هو على أستعداد أن يزايد عليك و يتهمك بالميوعة و ربما العمالة و الخيانة و إنتهاء بالتكفير و القتل لا لشىء إلا لكى يثبت لنفسه و المحيطين به أنه أكثر إيمانا" و ورعا" و تقوى و لهذا ليس غريبا" أن ينتهى الحال بالزوابرى بمحاربة الجماعات المتطرفة الأخرى لأنه حين تعيش مجموعات على القتل و التدمير ثم لا تجد من تستطيع قتله فإنهم – ببساطة-  يقتلون بعضهم بعضا"....

أعتقد أن هذا يفسر الى حد ما لماذا قتل طالب كلية الهندسة أحمد حسين عيد فى السويس الأسبوع الماضى..

                               *******************

إن قصص (أو بالأدق مآسى) التطرف لا تنتهى ، و لكن أحد أكثرها إيلاما" و أقربها زمنا" هو ما حدث لعبد الله عزام رائد الجهاد الأفغانى و هو - لمن لا يعلم – هو أحد أبناء جماعة الأخوان المسلمين و هو من أسس مكتب الخدمات الذي أستقطب معظم المجاهدين العرب القادمين إلى أفغانستان، ولا يزال المكتب قائماً إلى اليوم، و كان حلقة اتصال بين المجاهدين الأفغان والمؤيدين لهم في البلدان العربية، كما أشرف على عمليات واسعة لتقديم الخدمات والمساعدات المختلفة من تعليمية وصحية وغيرها للأفغان وأهليهم،خاض معارك كثيرة ضد الروس كان من أشدها وأشرسها معركة جاجي في عام 1987م  و فى البداية كان المتطوعين يقتصرون على الأفغان و جيرانهم الباكيستانين و لكن بقدوم المجاهدين العرب تغيرت الأمور ، خاصة مع مجىء أيمن الظواهرى (العقل المدبر للجماعة الأسلامية) الى أفغانستان ( وقتها لم يكن دور بن لادن يتعدى مجرد كونه حصالة كبيرة لتمويل عمليات المجاهدين) ، و عندها بدأ خط أخر أكثر تشددا" فى الظهور على إستحياء و دون أن يعلن عن نفسه خشية تفتيت الصف فى مواجهة العدو السوفيتى.

و لكن ما أن أنتهت الحرب بإنسحاب السوفيت  حتى كشر المتطرفون عن أنيابهم خاصة بعد رفض عبد الله عزام توجيهة المتطوعين فى مراكز التدريب المتبقية ( التى خصصت لتدريب المجاهدين فى كشمير )  للقيام بعمليات إرهابية فى بلادهم العربية مما دفعه أن يطلب من مؤيديه أن يقسموا ألا يحاربوا أو يؤذوا أبناء بلدهم إذا ما عادوا اليها ، و هنا ثارت ثائرة المجموعات المتطرفة و أتهموا عزام علانية بالتخاذل و العمالة و حرموا الصلاة خلفه بل وصل بهم الأمر الى أهانته و سبه و هو يخطب فوق المنبر خطبة الجمعة و انتهى الأمر بأغتياله عام 1989 و لا أحد يعلم على وجه اليقين من الجهة وراء أغتياله حتى الأن.

و هنا نعود الى قضية الشاب السويسى المسكين الذى قضى نحبه على يد مجموعة من المتطرفين الذين لا يوجد لهم إنتماء سياسى أو دينى (كما تشير التحقيقات الأولية) لمجرد أنهم قرروا أنهم أكثر ورعا" و تقوى و أن الوقت قد حان لإثبات ذلك و هذا هو مكمن الخطورة الذى لا تدركه جماعات الإسلام السياسى حتى الأن ، إن بذرة التطرف بمجرد زراعتها فإنها تنمو تلقائيا" و بإطراد و خاصة فى بيئة فقيرة غير متعلمة تمام" كما حدث مع الجماعة الإسلامية المسلحة فى الجزائر و لن تنجح وسطية الأخوان المسلمين (أو حتى تعقل شيوخ السلفية)  فى إحتوائها أو السيطرة عليها ، تماما" كما لم تمنع وسيطة و إعتدال عبد الله عزام  من أغتياله و تحويل أفغانستان الى الحفرة التى هى عليها الأن.

إن تقسيم المجتمع الى ثنائية (مسلم / كافر) ثم ثنائية (ملتزم / فاسق ) و أستغلالها لتحقيق مكاسب سياسية أو مادية هو لعب بالنار على مستوى شديد الخطورة ، نتائجه تبدأ بالتناحر الداخلى مرورا" بالحرب الأهلية و تنتهى بالتقسيم ( و لنا فى السودان عبرة) ، لذا أعتقد (من وجهة نظرى المتواضعة العبقرية) أن تيار الإسلام السياسى (بل و تيار الدعوة الدينية عموما") فى حاجه ماسة الى إعادة النظر فى خطابه بأكمله، و إعادة بناءه على أسس أكثر وعيا" و تسامحا" و عقلانية ،  لأن دعوات التخوين و العمالة و عداوة الدين التى طالما أطلقها شيوخ الفضائيات و خطباء الجوامع و دعاة الكاسيت يمنة و يسرة لكل من أختلفوا معه خلقت بذرة تطرف حقيقية ستغذى نفسها بنفسها و ستنموا و تتكاثر ما لم يتم تداركها بسرعة و ستحرق الجميع فى النهاية و لن تستثنى حتى من زرعها أول الأمر..

أفيقوا يرحمكم الله..

كلمة أخيرة:

يقولون ان الطريق الى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة ... لماذا؟...هل هناك نقص فى النوايا السيئة؟
 
                                          مقولة ذكرتها فى حكمة الجمعة رقم 02
                                              و اعتقد أنها ملائمة جدا" هنا

الثلاثاء، أغسطس 09، 2011

س و ج - 02

هى : هل هو وحده؟

هو : نعم ، وحده.

هى : وحده تماما" ؟

هو : حين يكون الإنسان وحده .. يكون وحده تماما" ..

من مسرحية لصمويل بيكيت

السبت، يونيو 18، 2011

إنهم يحقدون علينا

فى عام 2009 قام العقيد معمر القذافى بزيارة هامة الى أوروبا ، بدأها بزيارة إيطاليا لعقد بعض اللقاءات السياسية ثم توجه بعدها الى فرنسا لنفس الغرض ، و لكن كان هناك هدف أخر هام أراد القذافى تحقيقه من هذه الزيارات ، لقد كان يريد عرض أفكاره لحل مشاكل المرأة الأوروبية على النساء فى تلك المجتمعات ، لذا أقام مؤتمرين فى إيطاليا و فرنسا و اشترط دعوة فتيات فى سن الشباب ، و بالفعل تكفلت وكالات الدعاية و الأعلان بإحضار عدد لا بأس به من الفاتنات الى مكان المؤتمر و قام العقيد بتوزيع نسخ من القرأن الكريم عليهن مع عدد لا بأس به من الهدايا لكل منهن ، يومها قام العقيد بشرح رؤيته حول المشاكل اللتى تعانى منها المرأة الأوروبية و رأيه فى سبل حل هذه المشاكل..

و بإنتهاء الجلستين شكرت النسوة القذافى على أهتمامه و أراءه القيمة و أنصرفن حاملين معهن ما حصلن عليه من هدايا بالإضافة الى أى مبالغ نقدية تم الأتفاق عليها مع المنظمين و أنتهى الأمر بسلام، بعدها عاد القذافى الى ليبيا ليواجه بعد أقل من عامين ثورة شعبية عارمة ، إذ يبدو أن الليبيين (لأسباب أشك أن القذافى يدركها حتى الأن) غير راضيين عن أراء و أفكار القذافى فى حل مشاكل الشعب الليبى نفسه و قرروا أن يأخذوا زمام المبادرة بأيديهم..

أما عن أفكار العقيد لحل مشاكل نساء أوروبا ، - فكما أستنتجتم بالتأكيد- لم يبال أحد من تلك النسوة بأراء لم يطلبنها من الأساس ناهيك عن كونها قادمة من شخص مثل القذافى و فى نهاية المطاف تعامل الجميع مع القذافى على حقيقته و ليس ما يدعى أنه عليه من العبقرية أو الحكمة..

لماذا أروى لكم تلك القصة الطريفة؟

لأننى أقرأ كتابا" يابانيا" هذه الأيام..

**********

عنوان الكتاب هو " العرب – وجهة نظر يابانية " و مؤلفه يدعى نوبوأكى نوتوهارا و هو دارس للثقافة العربية و أمضى أربعين عاما" من عمره متنقلا" بين البلاد العربية ، يمكنك أن تطلق عليه لقب "مستغرب" (عكس "مستشرق") لو جاز التعبير، ترجم خلالها الكثير من الكتب العربية حتى صار من كبار الخبراء اليابانيين في دراسة المجتمعات العربية ، الكتاب يحمل وجة نظر شديدة الصراحة (و إن كانت لا تخلو من القسوة فى بعض الأحيان) عن أحوال الإنسان العربى و تحمل نقدا" هائلا" لكثير من الأوضاع فى العالم العربى لدرجة أنه جأنى شعور أنه لو قام أحد اليوم بتأليف كتاب عن أسباب قيام الثورة المصرية لما أختلف كثيرا" عما قاله نوبوأكى فى كتابة..

الحقيقة أن الكتاب لأول وهلة يبدو صادما" و مؤلما" ، إذ تبدو فيه صورة المجتمعات العربية و الإنسان العربى من وجهة نظر يابانية بالغة السؤ ، على العكس تماما" من الصورة الحضارية الباهرة لليابان فى أذهاننا جميعا" ، العزاء هنا أنك تحس بصدق الرجل فى كلماته و تلمس مدى حبه للبلاد العربية و رغبته المخلصة فى أن تتخلص شعوبها من الأحوال المتردية التى تعيش فيها ، الى الدرجة التى دفعته الى كتابة النسخة العربية من الكتاب بنفسه لضمان وصول رسالته الى القارىء العربى مباشرة دون أن تشوهها الترجمة.. و بالفعل جاء أسلوب الكتاب سلسا" و مباشرا" و إن عابه من وجهة نظرى سرعة الإنتقال من فكرة الى أخرى دون أن يترك الفرصة للفكرة الأولى أن تكتمل فى ذهن القارىء و كأنه أراد أن يخرج كل ما عنده مرة واحدة فى أسرع وقت ممكن..

هذا الكتاب ذكرنى بثلاثة كتب قرأنها فى فترة سابقة ( و تصادف أننى قرأتهم بصفة متتالية) ، هم " العالم مسطح" لتوماس فريدمان و الثانى هو " نهاية التاريخ و الإنسان الأخير" لفوكوياما و الأخير هو " صراع الحضارات و إعادة صناعة النظام العالمى" الشهير لهانتنجتون و الكتاب الثلاثة يعتبروا من المفكرين السياسيين ثقال الوزن و يكونون ما يطلق عليه فى أمريكا "Think Tanks" و دائما" ما تثير أرائهم الأهتمام و الجدل.. و قد أحتل العالم العربى و الأسلامى جانبا" هاما" فى الكتب الثلاثة و كانت خلاصة ما توافق عليه الجميع بشكل غير مباشر هو أن الدول العربية كم مهمل لا قيمة له، لا يمثل خطورة و لا حتى يشكل تهديدا" للعالم الغربى ناهيك عن أنه لا يساهم بشىء فى الحضارة الإنسانية ، أن أقصى ما يمكن أن يفعله هو فقط إزعاج المصالح الغربية عن طريق الهجمات الإرهابية من وقت لأخر و حتى هذا يمكن السيطرة عليه بشىء من الذكاء فى التعامل.

و على العكس من كتاب نوبوأكى ، تستطيع بمنتهى السهولة أن تستشعر الصلف بل و حتى وجود نوع من الغرور فى المؤلفات الغربية الثلاثة ، لا أنسى فصلا" هاما" فى كتاب فوكوياما يدعى " البرابرة ليسوا قادمين" و هو يحمل قمة الإستخفاف بأى رؤية مخالفة للرؤية الغربية و هو للأمانة لا يتحدث عن المسلمين أو العرب صراحة و لكنك لا تحتاج الى ذكاء كبير لتدرك من يقصده فى هذا الفصل..

(ملحوظة: من باب الأمانة و إعطاء كل ذى حق حقه يجب أن أذكر أن توماس فريدمان كان أحد أكثر الكتاب الغربيين إحتفاءا" بالثورة المصرية و أنه زار مصر خلال الثورة و أحتفل مع المتظاهرين فى ميدان التحرير بعد تنحى مبارك)

ما أريد أن أقوله بإختصار هو أنه سواء أعجبك كتاب نوبوأكى أو أغضبتك كتابات فوكوياما .. هناك حقيقة واحدة مؤلمة لا يمكن إنكارها .. و هى أن العالم ينظر إلينا بعين الشفقة أو على أحسن تقدير لا يشعر بوجودنا من الأساس..

لهذا يمكن أن تفهم عزيزى القارىء مدى حيرتى و إندهاشى من الأراء التى تنطلق من وقت لأخر و تتحدث عن مدى عظمتنا و حكمتنا و أن مهمتنا المقدسة هى أن نهدى العالم الى طريق الخير و السعادة و أن العالم يحقد على المسلمين و يمتلىء غيظا" منهم بسبب ماضى الأمة الإسلامية المجيد و الذى يرتعدون خوفا" من عودته، منذ عدة أيام سمعت أحد الدعاة يتحدث عن عدم حاجة العالم إلينا من أجل التقدم العلمى أو التكنولوجى و لكنه فى حاجة الينا لقيادتة روحيا" و أن الغرب برغم كل ما يتمتع به فإن الغربيين أنفسهم لا يشعرون بالسعادة و أنه واجبنا أن نرشدهم إليها ، يقول هذا و كأن المواطنين فى البلاد العربية يرقصون فى الشوارع من فرط سعادتهم و سرورهم ، داعية أخر أخذ يتحدث عن المستقبل حين "يمتلك المسلمون الأرض" و لا تسألونى أرجوكم عن الكيفية التى سيمتلك بها المسلمون الأرض و هم ينتجون أقل من 1% من الإنتاج العالمى..

إن هذا التفكير الساذج يمثل عقبة حقيقية أمام التطور و يجعل صاحبه يعيش فى عالم خيالى لا علاقة له بالواقع ، و لأن أول خطوات حل المشكلة هى الأعتراف بوجود مشكلة لذا فإن السبيل الوحيد للتقدم هو النقد الذاتى مهما كان قاسيا" أو مؤلما" و الأعتراف أن ما كان يصلح فى الماضى أصبح لا يصلح اليوم و أن العالم لن يتغير لمجرد أنك تريده أن يتغير لمصلحتك..

إن الذين يتحدثون عن حقد العالم على المسلمين و خوفهم من عودة الدولة الإسلامية و كذلك اللذين يطالبون المسلمين بالسعى لحل مشاكل العالم الإجتماعية و الروحية (والتى لم يطلب منهم أحد حلها) لا يختلفون كثيرا" عن القذافى حين دعا النساء فى إيطاليا و فرنسا لسماع أرائه و مقترحاته لحل مشكلات المرأة الأوروبية ، ربما يسايرك البعض لفترة و لكن فى النهاية سيتعامل معك الجميع على حقيقتك و ليس على ما تدعى أنك عليه..

إن العالم لا يحقد علينا كما أنه بالتأكيد لا ينتظرنا..

إن العالم لا يرانا من الأساس..

كلمة أخيرة:

" إن فقدان وهم ، يجلب لك من الحكمة أكثر مما يجلبه العثور على الحقيقة" - المصدر مجهول


الثلاثاء، مايو 17، 2011

صور و كلمات - 04



It matters not how strait the gate
How charged with punishments the scroll
I am the master of my fate
I am the captain of my soul

Invictus, By William Ernest Henley

السبت، مايو 07، 2011

مأساة التفكير المزدوج

بدا يوم 31 ديسمبر عام 2006 يوما عاديا ، صحيح أنه كان يوافق أول أيام عيد الأضحى ألا أننى لا أذكر أنه كانت هناك مؤشرات على أن شيئا ما سيحدث ، و لكن فجأة رأيت على شاشة التلفاز خبرا عاجلا عن إعدام الرئيس العراقى السابق صدام حسين فى مقر الشعبة الخامسة فى منطقة الكاظمية و هو بالمناسبة ( و المفارقة أيضا") نفس المكان الذي اعدم فيه صدام الكثير من السياسيين العراقيين المناوئين له.

أصارحكم القول أننى قابلت الخبر ببرود و لم أشعر بأى مشاعر خاصة ، لقد بدت الأمور و كأنها النهاية الطبيعية لطاغية قتل من أبناء شعبه أكثر بكثير ممن قتل من أعداءه ، صحيح أننى كنت أتمنى أن تكون نهاية صدام على أيدى العراقيين أنفسهم و ليس عن طريق أحتلال أجنبى إلا أن هذا الأمر لم يزعجنى كثيرا" ، لو أن أثنين من البلطجية تعاركا و قتل أحدهما الأخر فبالتأكيد لن أحزن على القتيل.. فعلى الأقل تخلصنا من أحدهما..

و لكن الغريب أنه بمجرد الأعلان عن أعدام صدام أنتابت الكثيرين مشاعر الحزن و الأسى و أخذ البعض ينعى بطل المقاومة و الكفاح ضد المحتل و تناسى الجميع فى ثوانى ما أجرمه فى حق شعبه بدأ من أستباحة مقدراته و حرياته و انتهاء بقذف قرى كاملة بأسلحة الدمار الشامل مما حدا العراقيين أن يطلقوا على معاونه الذى نفذ هذه العملية أسما" شاعريا" خلابا" هو : " على الكيماوى"..

حقيقة لم أفهم هذا التعاطف الذى حول سفاح مثل صدام الى مجاهد برغم كل جرائمة و حماقاته التى دفع ثمنها الكثيرون و لا يزال العراقيين يسددون فاتورتها الى الأن..

نفس الشىء يحدث الأن مع مجرم أخر يدعى أسامة بن لادن..

*************

عندما نتحدث عن بن لادن يجب أن نتذكر حقيقة مزعجة و لكنها هامة : لقد تسبب الرجل فى مقتل ألاف المدنيين العزل الأبرياء، و لا حاجة لى كى أذكركم أنه من غير المقبول لا دينيا ولا إنسانيا" و لا أخلاقيا" قتل إنسان واحد ظلما" .. فلماذا إذا ينصب البعض من قتل الألاف بطلا" بينما يرفضون تماما" قتل إنسان واحد برىء؟

يتحدث الكاتب العظيم جورج أورويل عن هذا التناقض فى رائعته 1984 بل و يطلق عليه أسما عبقريا" هو " التفكير المزدوج" Double Thinking و هو يعنى الإقتناع بالشىء و نقيضه فى ذات الوقت ، بالطبع كان أورويل يتحدث فى روايته عن تلاعب النظم الشمولية بعقول شعوبها مما يسهل لها تنفيذ مخططاتها دون عوائق ، و لكن يبدو أن عقود الأستبداد و القهر جعلت المواطن العربى يقوم بهذه المهمة بنفسه دون الحاجة الى توجيه من أحد..

و لتبرير هذا التناقض يسارع المرء الى منطقة (بفتح الطأ) الأحداث ، فمثلا فى حالة صدام أكد البعض أنه قد تاب الى الله فى أعوامه الأخيرة و أنه كان يريد أصلاح ما أفسده ( برغم أنه لا يوجد دليل حقيقى على ذلك ناهيك عن أننا لم نسمع طوال التاريخ البشرى عن ديكتاتور هداه الله و صار حاكما صالحا") ، و البعض قال أنه كان يسعى لتحرير القدس ( و التى لم يدخل فى حرب واحدة مع إسرئيل من أجل تحريرها برغم حروبه الكثيرة و المتكررة) و البعض سائه فقط تنفيذ حكم الأعدام يوم العيد و رأى فيه إستفزازا" لمشاعر المسلمين و إن كنت شخصيا" أظن أن قوات الأحتلال تعمدت ذلك ظنا" منها أن أعدام شخص مثل صدام يعتبر خبرا سعيدا للمقهورين اللذين عاصروه و يعد بمثابة هدية لطيفة لهم يوم العيد..

و لكن فى نهاية المطاف و بنظرة منطقية و حيادية للأمور تجد أن كل هذه المبررات الواهية لا تعتبر عذرا لقمع ملايين البشر و ذبح الألاف بدم بارد ، و فى نهاية المطاف تحققت العدالة و نال المجرم ما يستحقه..

لقد ذهب صدام الى الأبد و صار العالم أفضل قليلا"..

و لكن فى حالة بن لادن كانت التبريرات أكثر تعقيدا" ، و إن بدا بعضها عسيرا على الإستيعاب ، فقد ذهب البعض إالى أن بن لادن قد " أجتهد فأخطاء" ،هذا المنطق يمثل قمة الأستهانة بالحياة الإنسانية و يتحدث أصحابه و كأن بن لادن قد قام بكسر أشارة مرور مثلا" و ليس قتل ألاف المدنيين الأبرياء فى مختلف دول العالم (بما فى ذلك السعودية بلده) ، البعض الأخر يدعو الى تذكر جهاد بن لادن ضد الأتحاد السوفيتى أبان أحتلاله لأفغانستان و هو منطق لا يختلف كثيرا عمن يدعون الى عدم محاكمة مبارك لأنه شارك فى حرب أكتوبر ناسين أن العدالة لا تتجزاء و أن الأعمال الجيدة التى فعلتها فى الماضى لا تبرر الجرائم التى ترتكبها فى الحاضر أو المستقبل.

فريق أخر ذهب الى أن ما فعله بن لادن هو رد فعل على الجرائم التى أرتكبها الغرب بصفة عامة و أميريكا بصفة خاصة ضد الأسلام و المسلمين و أن قتل المدنيين فى الدول الغربية هو نتيجة لسياسات الدول الغربية التى تسببت بشكل أو بأخر فى قتل المدنيين المسلمين و هنا نكتشف أن بن لادن لا يختلف كثيرا" عن جورج بوش و نتينياهو ، و يصبحون جميعا" مجرد أوجه مختلفة لعملة واحدة، فكلهم لا يمانع فى القتل و سفك الدماء دون تمييز للوصول الى أهدافهم دون أى مانع أخلاقى أو أنسانى ، الفارق هنا فى الأمكانيات التى يملكها كل طرف لا أكثر..

الفريق الأخير ذهب الى أن بن لادن مجاهد يقتل الكفار لنشر الأسلام ، و هو من وجهة نظرى أكثر التبريرات إثارة للإشمئزاز ، و هو ما يجعل صدام (على دموية) أفضل من بن لادن بمراحل ، فعلى الأقل كان صدام يقتل ليثبت أركان حكمه و لم يدعى أنه يفعل ذلك لخدمة الدين ، لقد أعطى بن لادن لنفسه الحق قى أن يقرر من يستحق الحياة و من يستحق الموت و نصب نفسه متحدثا" وحيدا بأسم الأسلام عن طريق الدم و استغل واحد من أكثر الأديان سماحة و رحمة لتبرير مجموعة من أبشع الجرائم ضد الأنسانية لهذا ليس غريبا أن يتحالف مع مجرم أخر هو أيمن الظواهرى و هو – لمن لا يذكر – سفاح يمتلك سيرة ذاتية رائعة تتضمن قتل مواطنين مصريين فى القاهرة (من بينهم أطفال دون سن العاشرة) و هم ينتظرون الحافلة فى محطة الأتوبيس على يد تنظيمه فى التسعينات من القرن الماضى..

إن تصوير قتل المدنيين الأبرياء العزل و كأنه جهاد فى سبيل الله يعبر عن قمة الأستهانة بالحياة الإنسانية و قمة الإستخفاف و الجهل بهذا الدين الذى لا يقبل - تحت أى ظرف من الظروف و أيا كانت الأسباب – أن يقتل إنسان ظلما" أو يعتدى على أبرياء بأسمه أو حتى مجرد أن يروع أمنون بسببه..

و لهذا ليس غريبا" أن يواجه هذا الفكر الدموى تراجعا" فى السنوات الأخيرة أنتهت بتلقى هزيمة فكرية قاسية على يد مجموعة مسالمة من الشباب الرائع فى مصر و تونس و سوريا و اليمن، فقد أستطاع هذا الشباب النقى (اللذى قدم شهداء و لكن لم تتلوث يده بدم) أن يحقق فى أيام ما فشلت القاعدة و أشباهها فى تحقيقه عبر عقود من العنف و الترهيب ، كما أنه ليس من الغريب أن نرى صور جيفارا ( اللذى حارب قوات الجنرال باتيستا و لكن لم تتلوث يده بدماء مدنيين عزل) فى ميدان التحرير بينما خلا الميدان تماما" من أية صورة لبن لادن أو أتباعه..

أصارحكم القول أننى (و على عكس عدم مبالاتى السابقة بإعدام صدام) شعرت بالراحة لمقتل بن لادن ، صحيح أننى كنت أتمنى لو أنه قدم للعدالة بدلا" من تصفيته بهذا الشكل لأننى اؤمن بحق كل إنسان فى محاكمة عادلة مهما كانت جرائمه ، إلا ان مقتل بن لادن هو بداية النهاية لفكر قاسى و دموى و رجعى أستمر لسنوات طويلة و أساء للأسلام و للمسلمين أكثر من أى شخص أخر..

لقد ذهب أسامة بن لادن الى الأبد و صار العالم أفضل قليلا"...

كلمة أخيرة:

" إن الوصية الخامسة من الوصايا العشر تقول : "لا تقتل" و لكن حين تفكر بالأمر لا تجد المتدينين متحمسين للغاية لتطبيق هذه القاعدة ، إن عدد اللذين قتلوا بسبب الدين أكثر من اللذين قتلوا لأى سبب أخر ، فقط أنظر الى أيرلندا الشمالية ، الشرق الأوسط ، كشمير ، محاكم التفتيش، الحروب الصليبية و مركز التجارة العالمى لتدرك مدى الجدية التى يتعامل بها المتدينون مع موضوع عدم القتل .. يبدو أنه كلما أزداد المرء إيمانا" كلما صار موضوع القتل قابلا" للتفاوض.."

جورج كارلن - 2001

الجمعة، أبريل 15، 2011

حكمة الجمعة -07

عدو عدوى .. لا يزال عدوى.
القاعدة الثالثة من
The Tao of Hashem

الاثنين، أبريل 11، 2011

اليد الخفية و تراجيديا القواسم المشتركة

فى حياتنا اليومية الكثير من التساؤلات اللتى تبدو منطقية و بديهية و مع ذلك يصعب العثور على إجابة واضحة لها. أسئلة من نوعية:

- لماذا حين تفتح باب الثلاجة يضىء النور بداخلها بينما لا يحدث نفس الشىء عندما تفتح باب الفريزر؟

- لماذا تكون صور الأفراد على العملات المعدنية صورا" جانبية دائما" بينما على العملات الورقية هى صور أمامية كاملة الملامح؟

- لماذا كان الطيارين الإنتحاريين اليابانيين (الكاميكازى) دائما" يرتدون خوذات لحماية الرأس قبل ذهابهم الى عملياتهم الإنتحارية؟

- لماذا يصر الحكام العرب على أن يحمل أحدهم لقب "المخلوع" أو "المقتول" أو "المنفى" بدلا" من أن يعيش فى بلده معززا مكرما كرئيس سابق فى إطار عملية ديموقراطية ؟

إن مثل هذه الأسئلة دائما ما تثير الفضول و التأمل و أصارحكم القول أننى أشعر بنوع من الراحة حين أجد إجابة مقنعة لأحدهم ، فمثلا" السبب فى عدم وجود ضوء للفريزر يعود الى مبدأ التكلفة مقابل الفائدة ، إذ أن تكلفة وضع ضوء فى كل من الثلاجة و الفريزر واحدة بينما الحاجة الى الضوء فى الثلاجة أكبر بكثير منها الى الضوء فى الفريزر و لذلك لا يرغب كثير من الناس فى زيادة سعر الثلاجة لتغطية تلك التكلفة الإضافية ، بينما الصور الجانبية فى العملات المعدنية تكفى لتعريفك بشخصية صاحب الصورة دون الدخول فى التعقيدات الفنية التى يتطلبها نحت تفاصيل وجه كامل على قطعة معدنية صغيرة بينما تحتاج الى هذه التفاصيل المعقدة على العملة الورقية لتصعب عملية التزييف ، و بالنسبة للكاميكازى فإن الهدف من عملياتهم العسكرية لم يكن الإنتحار فى حد ذاته و لكن " تدمير الهدف بأى طريقة ممكنة" و بالتالى كان وضع الخوذة على الرأس أملا" فى نجاح المهمة و عودة الطيارين بسلام دون الحاجة الى تفجير أنفسهم...

أما بالنسبة للحكام العرب فسأترك الإجابة على هذا السؤال للفلاسفة...

******************************

و لكن السؤال اللذى يؤرقنى حقا" فيما يتعلق بالحكام العرب هو :" لماذا كل هذا ؟ " ، و لكى تفهم ما أعنيه يكفى أن تلقى نظرة بسيطة على التقديرات المبدئية لثروات كبار المسؤلين فى مصر و التى تتراوح بين 40 الى 70 مليار دولار لعائلة الرئيس السابق ( و لا أريد التحدث هنا عن رسالة مبارك الصوتية أوما نشرته واشنطون بوست عن إستيلاء ولده جمال على 75 طن من الذهب المصرى الموجود فى المجلس الفيدرالى الإحتياطى الأميريكى فضغط الدم مرتفع عندى بما فيه الكفاية هذه الأيام ) بينما ثروة أحمد عز تقدر بثلاثة مليارات دولار و ثروتى كلا" من رشيد و جرانة حوالى مليارين من الدولارات لكل منهما ، و لكى تدرك حجم هذه الثروة يكفى أن تعرف أن ثروة سلطان عمان تقدر ب 670 مليون دولار بينما تقدر ثروة أمير الكويت ب 386 مليون دولار فقط ،و لكى تستوعب الموضوع أكثر يكفى أن أقول لك أن الفوائد البنكية لوديعة تبلغ قيمتها 600 مليون دولار تسمح لك بصرف مليون جنيه يوميا" دون أن ينقص هذا من الوديعة الأصلية مليما".. السؤال بصيغة أخرى : ما اللذى تريد أن تفعله ب 40 مليار دولار و لا تستطيع أن تفعله بمليار واحد ؟

تساؤل أخر : ماذا كان سيحدث لو كان هؤلاء اللصوص قد أكتفوا بسرقة ربع ما سرقوه و تركوا الباقى للتنمية الداخلية و تحقيق العدالة الإجتماعية ؟ وقتها كان سيظهر شىء أشبه بالنموذج الصينى فى التعامل مع الأمور ، فلعقود طويلة أستطاعت الصين (و لازالت) مقاومة الضغوط الغربية و مطالبات المجتمع الدولى الداعية الى أحترام حقوق الإنسان و حرية التعبير عن طريق عقد مقارنة بسيطة بينها و بين جارتها اللدود : الهند ، فكلا الدولتين كانتا تعانيان من مشاكل متشابهة فى الستينيات ، فعدد السكان فى الدولتين مهول مع معدلات فقر عالية تصل الى أكثر من 60% مما كان ينذر بكارثة حقيقية ، و لكن بالرغم من إنتهاج الهند للطريق الديموقراطى لتصبح أكبر دولة ديموقرطية فى العالم من حيث عدد السكان إلا أن معدلات الفقر لازالت مرتفعة و تصل الى أكثر من 40% بينما فى نفس الفترة نجحت الصين برغم سياساتها القمعية فى تخفيض معدلات الفقر الى أقل من 18%. أى أن الدولة الصينية نجحت حرفيا" فى أنقاذ مئات الملايين من مواطنيها من الفقر. أعلم أن هذه الحجه لا تكفى لتبرير انتهاك حقوق الإنسان و مصادرة الحريات و لكن على الأقل تستطيع الحكومة الصينية أن تدعى أن سياستها القمعية قد أفادت الشعب الصينى بشكل أو بأخر، فماذا كان يقول المسؤلون المصريون لتبرير سؤاتهم؟ الكثير من الهراء حول عدم جاهزية الشعب المصرى للديموقرطية مع تربص القوى المتطرفة للقفز على الحكم، و لا أعتقد أن هذا الكلام كان رد فعل يائس على إنتقادات الثورة و لكنه كان ما يتردد لسنوات طويلة فى الغرف المغلقة و ظهر على السطح مع تكاثر السهام فى أيام النظام الأخيرة.

السؤال بصيغة ثالثة : ما اللذى منع النظام المصرى فى إتباع النموذج الصينى مع مراعاة نصيب معقول للكبار من الكعكة لا يؤدى الى إفسادها بالكامل؟ لماذا فضل البعض مصالحهم المحدودة الضيقة على مصلحة الغالبية حتى لو أدى ذلك الى ضياع مصالح الجميع ؟

علماء الإقتصاد يسمون هذه الظاهرة " تراجيديا القواسم المشتركة" أو "Tragedy of the Commons" ، و هى معضلة تنشأ عندما يتصرف كل فرد ضمن مجموعة من الأشخاص بشكل مستقل لتحقيق مصالح خاصة مما يؤدى الى إستنزاف الموارد المشتركة حتى لو كان واضحا" للجميع أن هذا ليس فى مصلحة أحد على المدى البعيد و أنه سيسبب ضررا" عاما للكل بلا تفرقة، على سبيل المثال يريد الجميع الذهاب مبكرا" الى العمل ، لذا يفضل كل فرد الذهاب بسيارته الخاصة بدلا من الأتوبيس لأن ذلك أسرع بسبب توقف الأتوبيس المتكرر فى المحطات، المشكلة هنا أن كثرة السيارات الخاصة ستؤدى الى أزدحام الطرق و الى تأخير الوصول الى العمل فى حين أنه لو أن معظم الناس أستخدموا الأتوبيسات العامة فإنهم سيصلون الى أعمالهم أسرع برغم وقوف الأتوبيس المتكرر بسبب فراغ الطرقات. لذا كما ترون فاءن تراجيديا القواسم المشتركة هى أمر متكرر فى حياتنا اليومية و لم تكن عصابة الحزب الوطنى أستثناءا" من القاعدة.

و لكن لحسن الحظ أن تراجيديا القواسم المشتركة لا تعمل وحدها ، فهناك دائما شىء ما يحدث ليبدل الأمور و يغير مجرى الأحداث و هنا يظهر مصطلح أقتصادى أخر شديد الشهرة هو ما يطلق عليه " اليد الخفية " أو “ The Invisible Hand” و هو تعبير صاغه أدم سميث فى كتابه الأقل شهرة " نظرية المشاعر الأخلاقية " أو “The Theory of Moral Sentiments” و اللذى يجادل فيه بأن تصرفات الأشخاص الفردية الساعية لتحقيق مصالح شخصية بحتة سيتم دائما توجيها عن طريق " يد خفية " لتصل الى نتائج لم تكن ضمن خططهم الأولية ، على سبيل المثال فإن محاولة تحقيق أكبر قدر من الربح تعنى زيادة الأسعار و لكن بسبب رغبة كل تاجر على حدة فى تحقيق أكبر نسبة مبيعات فإن هذا سيؤدى إلى إنخفاض الأسعار برغم سعى كل تاجر الحثيث الى تحقيق أكبر ربح ممكن ، بالطبع كان أدم سميث يتحدث هنا عن القوى المسيطرة على السوق و كأنه يريد أن يقول أن العدالة ستفرض نفسها بشكل أو بأخر و هو كلام يبدوا غريبا" و شاعريا" حين يصدر من مؤسس الرأسمالية و لكنه واقع نراه كثيرا" فى حياتنا اليومية و الأهم أنه يفسر لنا لماذا كانت تصرفات الحزب الوطنى فى الأشهر الأخيرة فى غاية الحماقة و تدفعه الى نهايته دفعا" برغم تحذيرات الكثيرين ، بإختصار لقد كانت العدالة تحقق نفسها.

أصارحكم القول أننى شعرت بنوع من السعادة حين توصلت الى النتيجة العبقرية المتواضعة السابقة ، فهى تقدم أجابة منطقية و متماسكة ذات طابع أكاديمى مليىء بالمصطلحات الكبيرة لأسئلة تبدو ( على بديهيتها) عسيرة الإجابة ، كما أنها تعد دليلا" على أننى لم أزداد غباءا" فى السنوات الماضية ، إلا أن ثقتى بنفسى تبددت بعد أن تحدثت مع أحد الأصدقاء حول هذا الموضوع ، فقد كان طرحة للموضوع أكثر بساطة حين قال لى أن السبب الوحيد فى أستشراء الفساد و عدم مراعاة أى حدود للظلم أو القهر هو أن النظام السابق ظن أن هذه هى وظيفته ، فعلى سبيل التوضيح خذ مثلا" شخصا" مثل بيل جيتس مؤسس شركة مايكروسوفت ، لا يمكن لك أن تتصور أن يطالبه الموظفون بالشركة بالتوقف عن العمل بحجة أنه أصبح يملك الكثير من المال أو أنه صنع ما يكفى من البرامج ، ولكنه سيستمر فى صناعة البرامج و جمع المال لأن هذه هى وظيفته ، إن هذا هو " ما يفعله" ، بنفس المنطق لا يمكن أن تطالب نظام فاسد تصور أنه يدير شركة خاصة و ليس دولة بحجم مصر أن يكتفى بما سرقه مهما كبر حجمه لأن ذلك – ببساطة - هو "ما يفعله".

إلا أن هذا الطرح رغم وجاهته بدا لى غير كاف ، بالتأكيد هناك سبب كبير و معقد لتفسير ما حدث ، أجد صعوبة فى تصديق أن غرقى العبارة و حرقى القطارات و أهالى الدويقة قد ماتوا جميعا" فقط لأن البعض أعتاد ما يفعله، هل أستشهد خالد سعيد و سيد بلال و غيرهم مئات و ربما ألوف فى المعتقلات لأنها صارت هواية عند البعض؟ هل إنهار التعليم و تدهورت الزراعة و نهبت الدولة لأن البعض ظن أن هذا هو ما ينبغى فعله ؟ هل أوشك كل شىء على الضياع لمجرد أن شخص واحد فقط فاسد؟

هل الأمور حقا" بهذه البساطة؟

أعتقد أننى سأترك الإجابة على هذا السؤال أيضا" للفلاسفة.

كلمة أخيرة:

قالوا له : العالم كله ضدك.

أجابهم : و أنا أيضا" ضد العالم..!!

جملة سمعتها منذ زمن و لكن يبدو أن الكثيرين فى العالم العربى يرددونها الأن